نضج

وحدك تستمع للحزن، لكلمات الوداع، وحدك تعبّر بكلّ الدمع وبكلّ القلب، ولكن حين تكون معهم لا تعلم من أين تنشأ الشجاعة والأمل.. حين تكون معهم تشعر بأن في الطريق متسع وأنكم ستلتقون وإن كنت آخر العابرين .. اليقين الذي يعمر كلماتك، عينيك المندهشتين من شعور الفراق الناضح على الوجوه وارتباك ردود فعلك بالمقابل.. كيف تواجه كثافة هذه المشاعر، وكيف تتعامل معها بلطف؟ .. يعمل عقلك بسرعة، تحس بشيء يتداعى داخلك، عليك أن تحافظ على قلبك، هذه المحبة قيد، تأنّ ..
تمرّ أيام قبل أن تنضج مشاعرك، قبل أن يطويك الحنين وحدك .. وحدك تستمع للحزن، لكلمات الوداع، ووحدك تبكي.

ف راغ

في كلّ مرّة تفقد فيها شيئا ما، قلبا أو حرفا، أو لحنا حتى، جرّب أن تكتب عنه، سيدهشك أن الحروف تتقافز، وأن الأفكار التي ظننتها أجدبت نَمَت فجأة، تترابط وتزهر كشجرة قرع، ولن أخبرك عن زهرتها في نهار قائظ ولا عنها أول الفجر، ثمّ لتعلم مدى اندساس شعورك تحت انبساطك وتخففك؛ تَواصَل وجها لوجه مع أحدهم ليسألك ولا بد إن كنت مزكوما، الأمر العجيب الذي يُلاحظ دون انتباهك أنّك تمسحُ عينيك في كلّ لحظة، وحين تنفي ذلك سيُحسنُ الظنّ بأنّك مشتاق ربّما في ظروف عامة كهذه، سترى حينها القرع الصغير قد بدا بالفعل، ثمّ لتَهنِك تلك العينين إذ تضع عنك بعض ما تجد وتخفيه، ترفع عنك ثقل فقدك، وتصيّر فراغه سعة فإذا أنت تحيا ثانية.

أنا هكذا تبكي يدي.

رقيم

يمكن للعالم أن يتّخذ شكلا واحدا، أجل، هذا ما يحدث الآن، مذ نشر الفيروس شوشته على العالم، بدؤوا بالانكماش، تضاءلت أعدادهم وأصواتهم، عدا الرسائل والصراخ و بعض الظلال، عرف الكون أخيرا معنى الليل، بلا أسماء كانت تمرّ الأيام، كأطول ما تكون، لا يقطع طولها إلا صوت الأذان، لكنه على تجدّده ظلّ معلّقا بلا إعلان الإقامة؛ أنس مشوب بالحزن، وعن الصباح فأمكنه أن يتمدّد أخيرا، وعاد للشمس سلطانها..
هذه إلماحة نصفها نور، أما نصفها الآخر فإليك بعض ما كان يدور:
– اتفق جملة من الناس على ضخ الكثير من المؤونة في بيوتهم، سعيا وراء الإكتفاء الذاتي، ثمّ ما زالوا يتسوّقون لكلّ يوم.
– بعضهم أغلقوا على أنفسهم الدور، وانشغلوا عنها – أعني عن أنفسهم- بمتابعة العالم، والأفلام، ومخاصمة الأهل أو الانعزال عنهم.
– آخرون اتخذوا طريقا وسطا، فهم بين الاستمتاع والحذر، وبين الخوف والرجاء، لهم في كلّ ساعة شغلا.
– جملة منهم صاحبوا الكتب، وأنعشوا كثيرا مما طمرته الأيام، فهم بين هواية قديمة وأخرى استحدثت حينا، وحينا مع شعور صاف تيقّظ إثر الهدوء، تجدهم أحيانا غارقون في المنطق، أو في أحلامهم يرتعون، فكأنّهم من شُغلهم قد انفضوا من الحياة إلى الحياة.
– ستقرأ عن آخرين أيضا في التعليقات ربّما أو في مدوّنات أخر، أنا لم أحط إلا بما علمت، فكن أوسع من مقال واحد من فضلك.

وأما أنا فقد تجاوزت الخوف، والإعداد، وصار كلّ همي ألا أفقد حياتي القديمة بالنسيان، أجل لا يوجد ما أفخر به، ولكني لا أرغب أن أموت دون أثر، لن أخسر مرة أخرى…
حتى أنتهي من طباعة نصوصي وملاحظاتي، وأستغرق جهدي في ترتيبها، وتأمينها، يمكنني حينها أن أموت بسلام.
يا إلهي… متى صرتُ إلى هذه النرجسية الحلوة؟!
على كلّ حال، لا تنس قراءة كتابي إن كتبت له الحياة.

لقاء معك

في كثير من الأحيان أو ربّما كلها تحتاج أن تعرف من يكون الآخر، (مَن) الواسعة هذه، حتى وإن كان من أقرب الناس؛ في زمن الصمت والمصانعة، والحذر الشديد، إن كنت (انطوائيا) مثلي سيُتعبك إيجاد مدخل مناسب وإن اعتقدت في الآخر انبساطا واتفاقا، لكن باب الأحاديث مغلق…

في صغري كنت أقرأ اللقاءات في مجلة مساء وأضع نفسي محل المسئول، ماذا كنت سأجيب؟ (ما زلت أذكر ذاك اللقاء الشعري في شريط بارقة)
ثم وجدتني بعدها أجيب فعلا عن كثير من اللقاءات في المنتديات أو أقتبس إجابات منها في ملاحظاتي الخاصة، لم أكن أبدا أقبل ولا حتى بتمرير الأسئلة والواجبات التي نشطت في بدايات التدوين، كان النشاط والتشوّق لمتابعتها لذيذ، ولكنني كنت متوجسة جدا في هذا العالم.
ربما ما زلت كذلك (:

الذي يعجبني أن أكون أنا بلا حرج، أن تكون أنت، لست مطالبا هنا بالمجاملة أو مراعاة الآخرين إن كان رأيك مختلفا، أو لديك فكرة عظيمة يراها الآخرون مثالية أو تافهة، أنت أنت، هكذا ينبغي أن تكون.. وهذا اللقاء معك، ثلاث أسئلة وأنت أيّها القارئ حتى إن كنت انطوائيا مثلي لا بد أن لديك أفكارا، تساؤلات، أضف واحدا، أو أجب … أو كن كريما بهما ودلّنا عليك..

– ما أقرب تدوينة إلى نفسك؟

– دلّنا على تدوينة (من مدوّنتك) تراها تستحق أن تأخذ اهتماما أكثر مما أخذت؟

– كيف هو تفاعلك مع المدونات الأخرى؟

خط معروف

كفّ عن كونك ملهما للحروف، وتعال شعورا محضا.

لما أقرؤني قديما، كنت أكتب برويّة، بلغة أعلى وتراكيب أجمل.
كنت أكتب لي، ولي فحسب، وظننت ذلك طبيعة لهذا العالم.
هكذا كنت أمرّ على الآثار بعدي كخطى مختلفة؛ لم أربط واردين ببعضهما أبدا

اليوم لا أعرف إن كان البعد جعل نظري أوسع أم أني أخلق من الحروف أصحابا بعد أن فقدت أصحابها.
صرتُ أرى خيوطا رفيعة تصل رسالتين ببعضهما، وأخرى عريضة يشترك فيها أناس أكثر مما تحتمله رسالة.
كنتُ أظن أنّ للرسالة وسعا يضيق إذا ازدحمت فيها الأرواح، ربّما كانت الكثرة دليل حياة.
كانت الرسالة الواحدة لا تحمل إلا روحا واحدة، وتصل من روح واحدة كذلك أو هذا ما ظننت.
كنت سأحتار لو عبرت إلي ثلاثة قلوب برسالة واحدة!

أثق تماما أنّ من كتب حرفا لا يمكن أن ينساه، ربّما يعجب كيف كتبه لكنه لن ينكره، سيأتي ويزوره وإن هجر الأرض التي سقط فيها، سيعود خلسة ربّما حين يظنّ أن حرفه مات في يده، وسيعود أخرى لأن حرفه الأول أيقظ شعوره واستكتبه، سيكون وطنا للمهاجر .. ومنفى قديم.