رحلة

مضى ثلثي رمضان، وفي كل مرة ألج لأدوّن عنه، أقول ربّما أجد في حروف الآخرين ما يكفي، فأعود خالية الوفاض، ليس في قائمة القارئ لدي على الأقل.
أريد الكتابة عن رمضان كزمن يبني عاما قادما، ويرمم عاما مضى، أريد الكتابة عن رمضان كنشاط اجتماعي مشترك عالمي، وأريد الكتابة عنه كدورة تدريبية مكثّفة للمرأة خاصّة، بين الطبخ والصدقات (عشاء والدين) بهذه التسمية يتكلّف قوم، ويخفّ العبء على آخرين، الزيارات القصيرة والحلوة غالبا رغم المشقّة في الاستعداد لها لكنها تتفوّق على كلّ الزيارات خارج رمضان، الخطط التي تضعها امرأة لإنعاش روحها يضيع نصفها بين مهام عاجلة وخطّة مرتجلة لآخرين ضُمّت إليها مرغمة.
أريد الكتابة عن رمضان؛ عن صباحاته المملوءة بالحنين، الحنين لمن مرّ وما عاد لرؤيته سبيل، صباحاته الملوّنة بالآمال حتى كأنها صارت، صباحاته الجادّة، وصباحاته النديّة..
أريد الكتابة عن رمضان بلحظاته البديعة، الصلاة، سماع آيات يرفّ لها القلب، تدبّر يصحح نظرتك، وحلقة تلاوة بأصوات جديدة..
أريد الكتابة عن رمضان، لكن هناك أشياء لا تُكتَب، الدّمع يوم حلّ والدّمع عند التفكير برحيله، ينبؤك أنه أمر عسير.. عشه فحسب

Advertisements

سرّ فصيح

لا تريد الكتابة عنه، ولا الاقتراب من لفظه، إنّك تخاف أن تميل؛ أن تعلق قدمك بالشوك، عاقل جدّا وحذر جدّا، يغريك سبك الكلمات، صورة الشهامة، وتمسك بك الأصالة من أقصاك لأقصاك حتّى إذا رفّ في قلبك معنى الاتّصال فزعت ونفرت .. ولم تزل تقترف الملاحظة عن بُعد متعجلا لم تستوي في إقامتك ولا ظعنك، حتى إذا أمِنت الطريق مددت كراسا فانحنت لك الحروف، كأنّها تقول لك: تخيّر من تشاء فلستَ تختار سواي، لا اليد التي تكتب ولا الوجه المنحوت، إنك مفتون بالحروف فانصب.

منارة

هل فكّرت مرّة كيف يعيش من هو مع القرآن.. دعني أخبرك بأمر .. لا ينبغي أن تعتقد بأنّه سعادة تراها، قد تحيط بك الظروف القاسية كغلاف؛ الخروج منه معجزة، وسيكون التزامك بورد من القرآن ظرفا شديدا أيضا؛ قد تكون فكّرت ولا بدّ بتركه -إذ هو أسهل ما يمكنك تركه- ولكن نقطة عميقة تذكّرك أنّك قد عشت صفاء معه ذات يوم، في البداية تفقدك الظروف حرّية الحركة ثم تصيب عقلك حتى إذا ظننت أنّك على حافة الهلاك وآن أن تفقد نفَسَك جاء القرآن مثل حبل أو شريطة ليضم كلّ تلك الظروف عليك مثل هدية للقبر، ستعتقد لوهلة أنها الخاتمة، أنك ستختنق، لكن ضمّته تتسبب في ثقب هذا الغلاف، ثقوبا كثيرة تبصر عبرها ما حولك، يمرّ الهواء عبرها، تستعيد بعض قوّتك، وتتجاوز العتمة، تتجاوز الضيق الذي أنت فيه، ربّما ما زلت تعيشها ولكنّ أشقّها هو تمسّكك بالقرآن حينها، وهو السبب الوحيد الذي أنقذك ..
القرآن ليس سعادة تراها فحسب بل تحسّها قوّة تدفعك للحياة، تحافظ عليك وتصقلك ..

رجب/ 39

الضّي

كانت تتخيّر من التّمر ما أكل الطّير منه، تقول أنّه أحلى، وفي كلّ اتصال لا بدّ أن تسأل عن حال نخلتنا (الحديقة) كأنّها فرد من الأسرة، كانت تنتظر طلعها ربّما أشدّ منا.
كنت أحتفظ بالقصص التي أظنّ أنها ستُعجب عمّتي ولو لم أحكها حقّا، أمّا أمي فكانت تبذل جهدها حتى أخر يوم من زيارة عمّتي لنا، بذور الريحانة التي انتشرت ونَمَت وصارت هدية دائمة لكل ضيف، حصلت عمتي على شتلتين منها زرعت إحداهما في منزلها في القرية وسمّتها باسمي والأخرى في الرياض،كانت منازلها رياضا كلها! أشعر بأن حزن فقدها خاصّ ولكنّه موزّع، يبدو جليّا حين نذكرها أيام صحتها، بعد المرض ويوم العيد .. أذكر صوتها المُتعَب حين نتصل ثم كيف يقوى منتصف الاتصال وتكاد تكون بيننا ..
لقد عشتُ موت الأصدقاء، موت الأخت، موت العمّة، وموت الأم .. كلّها يوم متِّ
قد كنتُ أكتب لك في حياتك، كنت المُلهمة والكتاب والبئر الذي أسكب فيه وأرتوي منه، تلقيتُ خبر وفاتك على بُعد، بكيت لكنّي لم أصدّق، بدا الأمر كخبر وفاة شخص آخر، هل هكذا يفعل السفر؟! أم أن الحرم يستلّ حزنك برويّة، لقد بكيت، شعرت بأن كلّ جنازة صلينا عليها هي عمتي، لم أشأ أن أعود .. عليّ أن أبتلع هذه الغصّة قبل أن أرى أبي مجدّدا ..
حين أفكّر بالرياض كيف صار حتى اسمها أصفرا، وقد كانت في حياتك الرّوض والريحان؛ أحسّ بأنّ وطنا مات..
بدا فقدك نديّا جدّا حين سمعت صوت عزّة ابنتك الوحيدة العزيزة وأختي الكبرى، لقد قلت السلام عليكم وانسكب دمعها حارّا .. كان شعورا فوق طاقتي، كأنّني فجعت ثانية، بدا لي أنّها كانت تنتظرُ طوال الوقت لتبكي معي، رغم أنه كان اتصالا لكنّه كان أكثر .. أظنّ أني أحتاج عناقها ليخرّ الجبل المكابر فيّ، ولكنني أخشى ألا يكون جبلا واحدا ..
يا عمّة، نخلتنا ارتفعت، ريحانتنا نثرت بذورها وهاهم يمتدّون، يا عمّة.. على صوتك “حيّ .. حيّ”

يرحمها الله..

الخميس 1438/10/13

حمّى الرسائل

لو أننا نبعث ما نكتبه في الرسائل كما كتبناه دون اقتصاص، لأمكن للقلوب التي تمر فيها أن تلتئم، لكننا نخاف أن يخدشهم تركيز الصدق فيها وينسون بشريتنا الدائمة.

أبدأ رسالة ما جادّة وقد عيّنتُ مستقبلها، ثم تغور الكلمات، إذ أعرف أنّ الحرف يظلّ حارّا حتّى يلتقي بصاحبه بعد أمد وقد ميّز الأخير طريقه، أو حاد فلم يعرفه ..
كيف تؤوب القلوب للقلوب؟
أتحوّل عما أريد كتابته، وأنزع خلايا من قلبي أغرزها في الصفحة، تحيك يدي هذا الوشاح، لا أحد يختنق برسائلي إلاي..
هل تكبر الرسائل، تمتد عناوينها، هل تورّث؟
أعود لأرسل سؤالا جادا، وأضع نقطة الختام، كيف يستطيع النّاس الحديث عن كل الأشياء في لحظة واحدة، ثم نسيان كلماتهم في آذان الآخرين؟
لكن الرسائل لم تكن أسرة واحدة أبدا، إنها العالم ..

هل تموت الحروف حين تعيش في عين واحدة؟

أمد

أرجوك لا تتغير، هذه الأنانية في طلب كاتب يكتب آلامه وأحزانه ويبتدع لها شتّى الطرق ليسكب دمعه في أيّ صورة، شعرا ونثرا ومشهدا .. ثم تأتي أنت فلا تجد عنده ما كنت تجده من مشابهة حزنك ومشاركتك نفثك، حتى إذا ضاقت عليك نفسك ناديت “أرجوك لا تتغيّر” وما كان تغيّره إلا لسيل حزنه؛ لمّا فاض اتخذ من الأرض شعبا .. انظر إليه؛ ألا تشفق عليه من نفسه، من شتات هذا العالم، وشدة منافسته ..
ايه .. يموت كل كاتب قد عوّلت عليه أن ينزع عنك ما تجد، لا تأس أكثر
يكفيك أن تكتب أنت، النشر لن يشفي هذا الثقب في صدرك.

وجه آخر

– إننا نخطئ رغم حرصنا ألا نؤذي أحدا، في حزننا، في غضبنا، حتى فيما يسميه الناس فرحا ونجهل كيف يكون، نحاول أن نظهر كما يحبون وإن خرجنا عن طبيعتنا القلقة، لكننا نفشل دائما دائما في كل هذا ونظلّ نخطئ بأشكال أخرى.
ورغم أننا حين نؤذي أحدا نؤذي أنفسنا معه لكننا نظلّ نحاول وللأسف نظلّ نخطئ.

– خروج المرء عن طبيعته ظرف يضاف إلى ظروفه.

– نحن نعلم أننا نخطئ، وأن من حولنا يخطئ أيضا وكلنا يسعى ليحمي صاحبه .. هذا التكافؤ مريح!

– تحدث بعضهم عن التفريغ مع الناس كخطوة أولى، لكن النتائج لم تأت كما قالوا رغم أننا فعلناها مع من يفهمون الأمر .. هل تجاوزنا التحلية أم أن الأمر لم يكن يحتاج كلاما بل دعاءً؟

– آمنت أن التفريغ بالجمادات خير من تحميل القلوب ما لا تحتمل .. إننا نضيق بأنفسنا فكيف نحمّل من نحب ثقلها!

– رغم أنني أغبط الملائكة أبدا؛ فأنا أخطئ .. أنا لست منهم .. هذا مريح!
الحمد لله.