ضمّة


يناديني مرة أخونا أو عمنا أو يوسف وأحيانا بأسماء إخوتي، ولأنني ابنته الملازمة كنتُ أستاء إذ يجعلني رجلا، لم أفهم أن ذاكرة أبي بدأت تنسلّ منه، الأسماء، الضمائر، الطرق، أو أني لم أرد لهذا أن يحدث هكذا أمامي، لكنني عبرت هذا الممر مع أمّي، وصار لدينا معا ابن واحد، ابن كبير، يمكن لأمي بسياستها النادرة أن تتعامل معه بيسر، لكنني تعبت، تعبتُ كثيرا قبل أن أدرك أني اقتربت حقا من أبي في مرحلته الحرجة، أمكنني أخيرا أن أميّز رغباته ومخاوفه، أن يحكي لي ويعرفني، وحين يجتمع أهلي حوله، حين يوزّع حنانه بالقبلات؛ لا ينسى أبي أن يسأل عن أخينا، عمنا، أو يوسف …
يعرفني قلب أبي، ينسى غضبه إذا ناديته، وأعرف أنّه وإن ألبسني أسماء الرجال كلهم يراني أجمل امرأة، أحبّ نفسي في عينيه، أحب هيأتي، ملابسي حين يعلّق عليها، أحب أنه منحني الفرصة لأكون لو مرّة أمّه.


الأحد / 2-7-1442هـ

سنّارة

رأي:
من يفلح في العمل الجماعي لا يتطلب منه أن ينجح في عمله الفردي، ومن يتقن اتخاذ القرارات ليس شرطا أن يكون على رأس جماعة.

مرآة:
الحياة العَمليّة تُعلمك كيف تتنقّل بين عِدّة أوضاع دون أن تسقط منك أخلاقك..
والاحتكاك بالآخرين هو المجهر لحقيقة النفس؛ الأحكام التي يصعبُ تغييرها.
و”كلّ ينفقُ من إنائه”

مُوَازنة:
إنّ من لطف الله بنا أن يرسل إلينا غيثا يوقظ غفلتنا، وإنّ من الحمق أن ننتظر حريقا ينجينا من هذه النعمة.

تهيئة:
حين تخسر المؤسسة مرة واحدة يكون الخلل في الموظفين، وحين تخسر مرتين فعلينا تغيير الإدارة.

تكاتف:
لا ينبغي أن نتجزأ أكثر من خنادق الحدود التي صغّرتنا، يجب أن نعيش هذه الأحداث كلّها بروح الجسد الواحد.
لماذا نُغيّب والزمن يشهد، والعذاب يشهد، واليتم يشهد، والماء يشهد؟!

نضج

وحدك تستمع للحزن، لكلمات الوداع، وحدك تعبّر بكلّ الدمع وبكلّ القلب، ولكن حين تكون معهم لا تعلم من أين تنشأ الشجاعة والأمل.. حين تكون معهم تشعر بأن في الطريق متسع وأنكم ستلتقون وإن كنت آخر العابرين .. اليقين الذي يعمر كلماتك، عينيك المندهشتين من شعور الفراق الناضح على الوجوه وارتباك ردود فعلك بالمقابل.. كيف تواجه كثافة هذه المشاعر، وكيف تتعامل معها بلطف؟ .. يعمل عقلك بسرعة، تحس بشيء يتداعى داخلك، عليك أن تحافظ على قلبك، هذه المحبة قيد، تأنّ ..
تمرّ أيام قبل أن تنضج مشاعرك، قبل أن يطويك الحنين وحدك .. وحدك تستمع للحزن، لكلمات الوداع، ووحدك تبكي.

ف راغ

في كلّ مرّة تفقد فيها شيئا ما، قلبا أو حرفا، أو لحنا حتى، جرّب أن تكتب عنه، سيدهشك أن الحروف تتقافز، وأن الأفكار التي ظننتها أجدبت نَمَت فجأة، تترابط وتزهر كشجرة قرع، ولن أخبرك عن زهرتها في نهار قائظ ولا عنها أول الفجر، ثمّ لتعلم مدى اندساس شعورك تحت انبساطك وتخففك؛ تَواصَل وجها لوجه مع أحدهم ليسألك ولا بد إن كنت مزكوما، الأمر العجيب الذي يُلاحظ دون انتباهك أنّك تمسحُ عينيك في كلّ لحظة، وحين تنفي ذلك سيُحسنُ الظنّ بأنّك مشتاق ربّما في ظروف عامة كهذه، سترى حينها القرع الصغير قد بدا بالفعل، ثمّ لتَهنِك تلك العينين إذ تضع عنك بعض ما تجد وتخفيه، ترفع عنك ثقل فقدك، وتصيّر فراغه سعة فإذا أنت تحيا ثانية.

أنا هكذا تبكي يدي.

رقيم

يمكن للعالم أن يتّخذ شكلا واحدا، أجل، هذا ما يحدث الآن، مذ نشر الفيروس شوشته على العالم، بدؤوا بالانكماش، تضاءلت أعدادهم وأصواتهم، عدا الرسائل والصراخ و بعض الظلال، عرف الكون أخيرا معنى الليل، بلا أسماء كانت تمرّ الأيام، كأطول ما تكون، لا يقطع طولها إلا صوت الأذان، لكنه على تجدّده ظلّ معلّقا بلا إعلان الإقامة؛ أنس مشوب بالحزن، وعن الصباح فأمكنه أن يتمدّد أخيرا، وعاد للشمس سلطانها..
هذه إلماحة نصفها نور، أما نصفها الآخر فإليك بعض ما كان يدور:
– اتفق جملة من الناس على ضخ الكثير من المؤونة في بيوتهم، سعيا وراء الإكتفاء الذاتي، ثمّ ما زالوا يتسوّقون لكلّ يوم.
– بعضهم أغلقوا على أنفسهم الدور، وانشغلوا عنها – أعني عن أنفسهم- بمتابعة العالم، والأفلام، ومخاصمة الأهل أو الانعزال عنهم.
– آخرون اتخذوا طريقا وسطا، فهم بين الاستمتاع والحذر، وبين الخوف والرجاء، لهم في كلّ ساعة شغلا.
– جملة منهم صاحبوا الكتب، وأنعشوا كثيرا مما طمرته الأيام، فهم بين هواية قديمة وأخرى استحدثت حينا، وحينا مع شعور صاف تيقّظ إثر الهدوء، تجدهم أحيانا غارقون في المنطق، أو في أحلامهم يرتعون، فكأنّهم من شُغلهم قد انفضوا من الحياة إلى الحياة.
– ستقرأ عن آخرين أيضا في التعليقات ربّما أو في مدوّنات أخر، أنا لم أحط إلا بما علمت، فكن أوسع من مقال واحد من فضلك.

وأما أنا فقد تجاوزت الخوف، والإعداد، وصار كلّ همي ألا أفقد حياتي القديمة بالنسيان، أجل لا يوجد ما أفخر به، ولكني لا أرغب أن أموت دون أثر، لن أخسر مرة أخرى…
حتى أنتهي من طباعة نصوصي وملاحظاتي، وأستغرق جهدي في ترتيبها، وتأمينها، يمكنني حينها أن أموت بسلام.
يا إلهي… متى صرتُ إلى هذه النرجسية الحلوة؟!
على كلّ حال، لا تنس قراءة كتابي إن كتبت له الحياة.